عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
60
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
ثم يستوي عنده العزّ والذلّ ، والمنع والعطاء ، وسائر الأفعال التي يراها غيره متضادّة فيراها هو حسنة كلها بل يراها واحدة لصدورها عن محبوب واحد . وأما كيفيّة الترقي عن هذه المحبّة إلى ما هو أعلى منها لمن أمدّه اللّه بتوفيقه وذلك بأن يعلم بأنّ صورة المحبوب الحقيقية إنما هي الصورة التي حصلت عنده منه ، فإن رسوم الجسم أمور عارضة عرضت لتلك الصورة وإنها لو فارقتها الصورة لما كانت شيئا ، فإذا تصوّر هذا تعلّق بالمعنى الذي استغنى به عن الأمور العرضية إلى أن تنطبع هذه الصورة المجرّدة في نفسه وتمتزج بها امتزاجا عشقيّا ، فتلطف النفس بذلك وتستنير فتقبل الأنوار العلوية ، وتبصر الصور الروحانية في ذاتها ، ولا تزال تتعلّق بالأشرف فالأشرف حتى تبلغ إلى ما قدّر لها من ذلك : [ من الخفيف ] ما لمجنون عامر في هواه * غير شكوى البعاد والاغتراب وأنا ضدّه فإنّ حبيبي * في فؤادي فلم أزل في اقتراب فحبيبي منّي وفيّ وعندي * فلماذا أقول ما لي وما بي [ القسم الثالث : قوم وصلوا من طريق العقل خاصة ] وأما القسم الثالث من أقسام المحبين وهم الذين لاحظوا الجمال القدسي المتجلي لنفوسهم من العالم النوراني فقبلته نفوسهم لمناسبتها إيّاه فانطبعت فيها صورته انطباع صورة الشمس في مرآة نورية ثم تكيّفت النفس بذلك النور وتجوهرت به فأبصرت ذاتها النورية وما بها من آثار العالم النوراني فأحبّتها من جهة أنها هي ذلك النور القدسي : [ من الكامل ] سفرت عن الوجه الجميل فأسفرا * فبدا هلال الحسن منها مقمرا ودنت فكاشفت القلوب بسرّها * فسقت شراب الوصل منها كوثرا فشربت راح الروح كأسا مترعا * ولبست سرّ الحسن ثوبا أحمرا ورأيتها في كلّ شيء أبصرت * عيناي حتى صرت كلّي مبصرا وهذه المحبة هي النهاية وما قبلها من مقامات المحبة مرادة لها وموصلة إليها ، فإنها إذا قصد بها الحق صفة المقرّبين ، ومقام عباد اللّه المخلصين ، وهي مطلوب الرجال ذوي العرفان التامّ والكمال ، والمشرب الصفو الزلال ، عزّ جانبها عن أن يدّعيها أهل البطالة ، أو يتعاطى الخوض فيها أرباب الجهالة ، ولا وصول